الشيخ الأميني
307
الغدير
الدؤلي قال : كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له : ألا تخبرني أخرجت منا المدينة طائعا ؟ أم أخرجت كرها ؟ فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى المدينة فقلت : دار هجرتي وأصحابي ، فأخرجت من المدينة إلى ما ترى ، ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ مر بي عليه السلام فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد . فقلت : بابي أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه . قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : إذا الحق بالشام فإنها أرض مقدسة وأرض الجهاد . قال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ قلت : أرجع . إلى المسجد . قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفي فأضربهم به فقال : ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع . فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع ، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي . ثم ذكر ابن أبي الحديد الخلاف في أمر أبي ذر وحكى عن أبي علي حديث البخاري الذي أسلفناه ص 295 فقال : ونحن نقول : هذه الأخبار وإن كانت قد رويت لكنها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الأخبار ، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظن بفعله : إنه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين فغلب على ظنه إن إخراج أبي ذر إلى الربذة أحسم للشغب وأقطع لأطماع من يشرئب إلى شق العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة ومثل ذلك يجوز للإمام ، هكذا يقول أصحابنا المعتزلة وهو الأليق بمكارم الأخلاق فقد قال الشاعر : إذا ما أتت من صاحب لك زلة * فكن أنت محتالا لزلته عذرا وإنما يتأول أصحابنا لمن يحتمل حاله التأويل كعثمان ، فأما من لم يحتمل حاله التأويل وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه فإنهم لا يتأولون لهم ، إذا كانت أفعالهم وأحوالهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج والاصلاح . انتهي . من المستصعب جدا التفكيك بين الخليفتين وبين أعمالهما ، فإنهما من شجرة واحدة ، وهما في العمل صنوان ، لا يشذ أحدهما عن الآخر ، فتربص حتى حين ، وسنوقفك على جلية الحال .